محمد بن وليد الطرطوشي
389
سراج الملوك
الحرب « 1 » على براثنه بأجرأ منه ، فيتفارق « 2 » لنا وإن كنا لنخدعه ، وما ابن ليلة من أهل الأرض بأدهى « 3 » منه ، والله لوددت أنا متّعنا به ما دام في هذا حجر - وأشار إلى أبى قبيس « 4 » - لا يتخوّن له عقل ولا ينتقص له قوة . وقال الصّنابحى « 5 » : كتب عمر بن الخطاب ، إلى أبى عبيدة « 6 » كتابا في مثل أذن الفارة : أما بعد ؛ فإنه لا يقيم أمر اللّه في النّاس إلا : حصيف العقدة « 7 » ، بعيد الغرّة « 8 » ، لا يطلع الناس منه على عورة ، ولا يحنق « 9 » في الحق على الجرأة ، ولا يخاف في اللّه لومة لائم . وقال مالك : جاء رجل إلى عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه ، وسأله أن يكتب له كتابا في أمر ، فقال : اذهب إلى منزلنا فأتني بدواة وقرطاس ، فذهب فلم يجد ، فقال : اطلب عندهم شيئا ، فذهب فلم يجد عندهم إلا أذن مزود ، فكتب له في تلك الأذن . ولما ولّى المأمون يحيى بن أكثم « 10 » قضاء البصرة ، بعد ان استمحن عقله وعلمه ، وامتحنه بمسائل ، فوجده فوق ما يريد ، فتلقاه وجوه البصرة ، فرأوا شابا صبيا ما بقلت « 11 » لحيته ، فتعجّبوا ونظر بعضهم إلى بعض ، يقلّبون الأكفّ ، ويغمزون الحواجب ، فقال له بعضهم : كم سنّ القاضي - أصلحه
--> ( 1 ) الحرب : شديد الغيظ والغضب . ( 2 ) أي إن أردنا إخافته فإنه يظهر الفرق والخوف والفزع ولكنه ليس به . ( 3 ) الدهاء : المكر والخداع . ( 4 ) أبو قبيس : جبل شرقي مكة وهو أقرب الجبال إلى المسجد الحرام . ( 5 ) عبد الرحمن بن عسيلة الصنابحي : نزيل دمشق ، قدم المدينة بعد وفاة النبي صلى اللّه عليه وسلم بليال خمس ، وصلى خلف الصّدّيق ، وبقي إلى زمان عبد الملك بن مروان وكان يجلس معه . ( الإصابة 5 / 105 ) . ( 6 ) أبو عبيدة عامر بن الجراج ولاه عمر على جيوش المسلمين في الشام بعد أن عزل خالد بن الوليد ، وقد سبقت ترجمته . ( 7 ) الحصيف : جيد الرأي محكم العقل ، ويقال أحصف الحبل : إذا شدّ فتلته . ( 8 ) الغرة : تطلق على أول كل شيء وأكرمه ، يقال : فلان غرة قومه : أي أكرمهم وأفهمهم ، وتطلق على الخبرة والعلم . ( 9 ) الحنق : شدة الاغتياظ . ( 10 ) يحيى بن أكثم : من كبار الفقهاء ولاه المأمون على قضاء بغداد والبصرة مات سنة 242 ه . ( 11 ) ما بقلت لحيته : أي لم يظهر فيها شعر .